أما وقد حصل العدوان، ما العمل؟
قراءة في كيفية مواجهة العدوان الصهيوني على لبنان على ضوء ضعفه.
مقال على صحيفة الأخبار
ينتهي الصراع بين قوتين متناقضتين حين تضعف الأولى أو تقوى الثانية. وأمام هول قوة الاحتلال الإبادية والنجاحات التي يحققها والتهديدات التي يطلقها، من الطبيعي أن يميل العقل البشري، الساعي دائماً للأمان، إلى لبحث عن حلول تُجَنِّب لبنان المزيد من البطش والاحتلال. وأتكلّم هنا لا عن الأصوات المرتهنة للعدو، بل عن الأصوات التي يشهد لها تاريخها بوطنيتها. فماذا لو سلّم الحزب السلاح؟ وماذا لو دخل الجيش ضاحيةَ بيروت؟ وماذا لو أعلن الشيخ نعيم قاسم كذا، وماذا لو أعلن الرئيس جوزيف عون كذا؟ فهل يمكن حقًا إخماد نار الصهيونية التوسعية؟ وكيف يمكن، بالمقابل، بناء القدرة للمواجهة؟
هل يمكن إخماد نار الصهيونية التوسعية؟
قدمت المنظمة الصهيونية العالمية عام 1919 خارطة «إسرائيل» تضم جنوب لبنان. وعاد وطالب حاييم وايزمان فرنسا بذلك في العام نفسه. ثم أكد بن غوريون عام 1937 أن الدولة اليهودية سوف تتوسع حتى الليطاني بعد قيامها. وطرح فعلًا على الحكومة الصهيونية القيام بذلك عام 1948 لكنه لم يفلح. وطرحت حكومة الاحتلال عام 1955 «عملية عومر» القائمة على إشعال حرب أهلية لبنانية تمكّنهم من احتلال جنوب لبنان. أما خلال حرب 1967، فركزت دولة الاحتلال على ضم الضفة، لكنها أكدت على الحاجة إلى احتلال جنوب لبنان في وقت لاحق.
ثم احتل العدو فعلًا لبنان في السبعينيات والثمانينات، فدُحر تدريجيًا من بيروت ثم صيدا وصور والنبطية والبقاع الغربي، وصولًا إلى تحرير شبه كامل للأراضي اللبنانية عام 2000. لكنه لم يتنازل عن هدفه. فعام 2024، صرّح الوزير سموتوريتش أن إسرائيل ستتوسع إلى دمشق، وشارك الوزير ألياهو خريطة تشمل لبنان في «إسرائيل». وعام 2025، صرّح نتنياهو أن مهمته تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى» وأن الحرب ليست في غزة فقط بل «ستعيد رسم خريطة الشرق الأوسط». وعام 2026، كرّر هذه العبارة، فيما أكد رئيس المعارضة الصهيونية لابيد أن حدود إسرائيل هي الحدود التوراتية، وصولًا إلى الفرات، وأن الكيان سيتوسع قدر المستطاع.
هل يمكن تجنّب تأثير الصهيونية التفتيتي؟
على نحو مرتبط، إنّ شرعية «دولة إسرائيل» المزعومة، أي مبرر وجودها، هو كونها دولة يهودية. وهي بذلك تختلف عن دول كسوريا أو إيران التي اختارت أنظمتها الحالية شرعية دينية، ولكن كان بإمكانها اختيار مسار آخر. فسقط نظام البعث وبقيت سوريا ولو سقط نظام «هتش» ستبقى سوريا. وسقط نظام الشاه وبقيت إيران ولو سقطت الجمهورية الإسلامية ستبقى إيران. لكن إن سقطت دولة الاحتلال اليهودية لا تبقى إسرائيل — فإسرائيل هي نفسها هذا الكيان الهوياتي وليست مجرد نظام حكم. لذا، للكيان حاجة ماسة إلى أن يُحاط من كيانات دينية. ولذا وظّف هويات الدروز والبدو في فلسطين، والموارنة في لبنان، والأكراد في سوريا والعراق، والمسيحيين في السودان، والشيعة في أذربيجان، والأمازيغ في المغرب العربي، والهندوس في الهند، وحتى أنه شارك في إبادة المايا في غواتيمالا. لذا، إن مجرد وجود الدولة اليهودية يشكّل خطراً على لُحمة المجتمع اللبناني.
فعلى ضوء كل ما سبق، هل من المنطقي أن نعتقد أن هناك أمراً ما يمكننا القيام به لإخماد الخطر الصهيوني على لبنان، أرضًا ومجتمعًا؟ لا مغزى، إذاً، من البحث عن «حلول» كالمطروحة في المقدمة. فالحلّ الوحيد هو بناء القدرة على مواجهة هذا المشروع حتى إفشاله تمامًا. ولا يأتي هذا الاستنتاج من عقيدة إسلامية أو قومية أو يسارية، بل من قراءة واقع المشروع الصهيوني.
كيف يمكن بناء القدرة للمواجهة؟
إنّ الاحتلال كارثة. لكن انعدام القدرة على المقاومة، ردعًا وتصديًا وتحريرًا، أخطر بكثير، بقدر ما أنَّ انعدام المناعة أخطر من المرض. فلو تمكّن العدو من احتلال الأرض، يمكن للبنان إعادة تحريرها. لكن لو انحلّ المجتمع أمام العدو، فمن يصدّ الاحتلال ومن يقوم بالتحرير؟ لذا، كيف يكون التخلي عن السلاح، مهما كانت انتقاداتنا لحامله وتناقضنا معه، حلًّا؟
يبرّر بعض من دعموا سلاح المقاومة بالسابق ويدعون للتخلي عنه اليوم أن السلاح ردع وحرر في الماضي لكنه لم يردع ولم يحرر اليوم. وهذا صحيح. وليس مستغرَباً، فالحرب جولات، و«جولة لنا وجولة علينا». لكن ما الحل حين نكون أضعف من أن نكسب جولة؟ هل الحل أن نضعف أنفسنا أكثر أم أن نبني القدرة؟ فلو بردتُ ولم تحمِني سترتي من البرد، هل أخلعها أم أرتدي سترة إضافية؟
ولا نتكلّم عن السلاح فحسب. صحيح أن مجتمعاتنا اعتادت على فكرة أن «لا حل سوى بالبندقية»، ولا شك أن «لا حل دون البندقية». لكن العدو يواجهنا بالسلاح والاقتصاد والإعلام والسردية وغيرها، وعلينا مواجهته بالسلاح والاقتصاد والإعلام والسردية وغيرها. واللافت أن المقاومين صمدوا في وديان وتلال جبل عامل حتى آخر لحظة عام 2024، لكن «الجبهة الداخلية»، أي المجتمع، هي من كانت أضعف من أن تصمد. فلا ملاجئ ولا إغاثة ولا إيواء ولا طبابة ولا صناعة (بما في ذلك صناعة السلاح) ولا خدمة مدنية وعسكرية إلزامية ولا جهود قانونية ولا إعلام موجَّه ضد العدو ولا ولا ولا. وللأسف، لم نستفِد من تخفيف وتيرة القتل لتنفيذ مشروع كمشروع حزب مواطنون ومواطنات في دولة المتعلق ببناء القدرة على هذه المستويات.
كما أن العدو يواجهنا بالتحديد من خلال التفتيت الطائفي، فرئيس وزرائه خاطبنا ليس كلبنانيين بل كموارنة وسنة وشيعة ودروز. ولا نسمعه يتكلم إلا عن كانتون درزي وإقليم كردي ومحاور شيعية وسنية. فهل نواجه هذا المنطق التفتيتي من خلال… تبنّيه؟ وتبرز أزمة النزوح اليوم عمق هذه المسألة. فالمقاومة تبنّت منطقاً فئوياً، فاستهدف العدو هذه الفئة، فنزحت، فأصبح مَن يرفض دعمها يرفض دعم «آخر»، وحتى مَن يقوم بدعم هذه الفئة يدعم «آخر». طبعاً، ما حصل حصل. فما العمل؟ اليوم نحضن نازحينا ونقف خلف مقاومينا الملتحمين مع العدو. أمّا غداً، فنحمل مشروعاً لنقل مسؤولية مواجهة العدو وشرفها من تنظيم-طائفة إلى المجتمع، ومن لا-دولة عاجزة إلى دولة قادرة، نرسي شرعيتها معاً.


