قراءة في ردة فعل "القومي" على تصريحات المبعوث الأميركي
مثال عن اعتبار الأيديولوجيا محددة بالظرف وإخضاعها للنقد
مقال على صحيفة 180 بوست
حذّر المبعوث الأميركي لبنان أنه، إن لم يتحرّك بالاتجاه الذي يريده الاستعمار الغربي، "سيعود إلى بلاد الشام من جديد". والملفت كان رد فعل الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي استنكر ما صدر من "تهديدات تمسّ بسيادة الدولة ويشكّل خطرًا كبيرًا على اللبنانيين". وهذا ما أثار موجة من السخرية من الحزب الحامل راية وحدة بلاد الشام والرافض لها في آن واحد. لكني أرى في هذا الموقف ما يدعو لاستقاء الدروس، لا السخرية.
قيمة الأيديولوجيا
تنشأ المجموعات السياسية، على أشكالها، لمواجهة واقع ما، أي لتأطير الجهود بغية ممارسة التأثير باتجاه ما. وتكثر، لاسيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، المجموعات التي تسعى لمعالجة حالة ما دون تقديم تشخيص لجذور الحالة. ومنها، على سبيل المثال، المجموعات التي نشأت نتيجة "طوفان الأقصى" والتي تحصر هدفها في وقف الإبادة، والمجموعات اللبنانية (غالبًا المناطقية الطبع) التي نشأت عقب انتفاضة 17 تشرين والداعية لمكافحة الفساد والتغيير والإصلاح، والمجموعات السورية (غالبًا المناطقية الطبع هي أيضًا) التي نشأت بعد سقوط الأسد والطارحة شعارات كالديمقراطية أو العدالة أو السلم الأهلي، والمنظمات غير الحكومية الخيرية والنسوية والبيئية وغيرها.
أما الأحزاب الأيديولوجية فهي تنظيمات عملت على تحليل عمق المشكلة وتقديم رؤية طويلة الأمد لمعالجة جذرية. ومنها الأحزاب اليسارية الحاملة خطاب طبقي، والأحزاب الإسلامية وعنوان "الإسلام هو الحل"، والأحزاب القومية، بما في ذلك قراءة أنطون سعادة لوحدة المجتمع السوري على أساس وحدة أرضه ومصلحته. وهكذا يصبح هناك منطلق فكري لتحليل الواقع وتحديد الوجهة عوض التعامل السطحي مع نتائج الواقع.
مخاطر الأيديولوجيا
لكن ما يحصل غالبًا أن هذه الأيديولوجيات تصبح مسلّمات، بل حتى إيمانيات. طبعًا، الأمر مفهوم: فلا يمكن العودة لنقطة الصفر وإعادة تحليل كل شيء عند كل منعطف. ولا بد من ضبط المفاهيم كي نتمكّن من العمل سويًا في إطار تنظيم. كما أن العقل البشري يطمئن للمألوف فتصبح الأيديولوجية مساحة من الراحة الذهنية يصعب علينا الخروج منها.
لكن لهذا الجمود الأيديولوجي مخاطره. فلا طرح كامل، والامتناع عن نقده يحافظ على أخطائه ونقاط ضعفه. ونستذكر هنا رفض عدد من القوميين الاجتماعيين خوض نقاش جدي في طروحات قوميين آخرين متعلقة بتسمية "سوريقيا" أو بالتمييز بين اليهودية والصهيونية في فكر أنطون سعادة، اقتباسًا لعنوان مقال الرفيقة صفية سعادة. كما إننا لم نرَ عند معظم الإسلاميين نقدًا حقيقيًا لفشل الإسلام السياسي الذي كان يُفترض أنه الحل، ولا عند معظم الاشتراكيين نقدًا حقيقيًا لفشل نبوءات ماركس المتعلقة بالثورة العمالية في البلدان المتقدمة تكنولوجياَ والتي كان يفترض أنها حتمية تاريخية.
ومن جهة ثانية، يمكن حتى لفهم دقيق لواقع أن يعتق وينفصل عن الواقع مع تطور الأحداث وتغيير الظرف. على سبيل المثال، يعتبر السوريون القوميون الاجتماعيين وكذلك العروبيون أن العراق وفلسطين جزء من أمة واحدة. ولكن هل يُعقل أن نعتبر أن بن غفير العراقي الأصل صاحب حق في فلسطين؟ كما يعتبرون أن غزة وسيناء أرضًا واحد. فهل يعني ذلك ألا نمانع هجرة فلسطينيي غزة إلى سيناء؟ فحقًا، ليس هناك من وصفات جاهزة للتطبيق في كل زمان ومكان.
اعتبار الأيديولوجيا محددة بالظرف وإخضاعها للنقد
يتبع حزب مواطنون ومواطنات في دولة منهجية فكرية قائمة على "اعتماد الجهد الفكري النقدي أساساً منهجياً، وبالتالي اعتبار النظريات والأيديولوجيات كافة، على فاعليتها، نسبية ومحددة بالظرف التاريخي لصياغتها وتداولها، وإخضاعها لضرورة التفسير ولإمكانيات التأويل." وهي منهجية مكلفة بحيث تتطلب ممارسة الجهد النقدي الدائم. لكنها تحمي التنظيم، وبالتالي المسعى السياسي، من الانفصال عن الواقع.
وهذا ما يذكرني بسؤال طرحته في منفذية طرابلس منذ حوالي 25 عامًا: ألا يدفع وجود الجيش السوري في لبنان وفظائعه اللبنانيين لكره السوريين ورفض الوحدة التي نسعى لها؟ فلماذا يدعم الحزب هذا الوجود؟ طبعًا، لم يجبني الرفقاء (أو بالأحرى، المنتمين منهم للجزء من الحزب الذي كان الأسد قد أحكم هيمنته عليه) آنذاك. أما موقف "القومي" اليوم فمختلف، إذ أنه، عوض نسخ ولصق أيديولوجية تقتضي دمج لبنان وسوريا، أخذ هذه المرة في عين الاعتبار الطبيعة الطائفية والتطبيعية للنظام السوري، وما تشكّله هذه الطبيعة من خطر على اللبنانيين.
وعليه، ليس موقف الحزب خيانة لمبادئه بل تطبيق نقدي لها. وليس مدعاة للسخرية بل لاستقاء الدروس. فعلينا تخطي أطر العمل والتحليل التي اعتدنا عليها، السطحية منها المحصورة بردة الفعل، كما الجامدة منها الرافضة للنقد. وهذا ما يتطلب من الأفراد والمنظمات الثورية أمرين: أولًا، كسب الأدوات المفاهيمية والتحليلية، ومنها ما قدمه سعادة عن المجتمع وماركس عن الطبقة وغرامشي عن الهيمنة وغيرها، مما يمكننا من فهم الواقع. وثانيًا، تطوير الميل لاعتبار الأيديولوجيا محددة بالظرف ولإخضاعها للنقد، مما يبقينا على اتصال بالواقع.


