إرساء شرعية دولة: خارطة طريق
الحاجة ليست لـ"بناء" دولة بقدر ما هي لـ"إرساء شرعية دولة"، أي للعمل على فرض سياسات يلتمس المواطنون نتيجتها أن الدولة، لا الزعيم، هي من تؤمّن مصالحهم.
مقال على صحيفة النهار
بين "الممانعين" و "السياديين" و "التغييريين" نقطتي تقاطع: أولًا، التأكيد الدوري على الحاجة للدولة. ثانيًا، عدم تبني مشروع سياسي تجاه هذه الدولة. ويأتي اختيار جوزيف عون وتكليف نواف سلام في هذا السياق، إذ أكّدا على حرصهم على الدولة، إنما دون تبني برنامج سياسي لذلك. فما هي خريطة طريقنا لدولتنا؟
لا حاجة، طبعًا، لخلق مؤسسات من العدم، فللبنان برلمان ووزارات ورئاسات وقضاء ودستور وقوانين وجيش وقوى أمن ومدارس ومستشفيات وغيرها. لكن هذه المؤسسات تتّسم بالشكلية إذ أن صنّاع القرار الحقيقيون ليسوا من يتولون مناصب تشريعية أو تنفيذية، إنما زعماء الطوائف. فيصوّت معظم المواطنين لمرشحي الزعيم، والوزارات جزء من شبكات الزعماء الزبائنية، والرئاسات تُختار على أساس التفاوض بين الزعماء والخارج، والأمن لم يلقِ القبض على رياض سلامة. وعليه، الحاجة ليست لـ"بناء" دولة بقدر ما هي لـ"إرساء شرعية دولة"، أي العمل على فرض سياسات يلتمس المواطنون نتيجتها أن الدولة، لا الزعيم، هي من تؤمّن مصالحهم.
سياسات تضع الأساس لمعاينة الواقع: إن تعداد عام 1932 الطائفي رسّخ نظرة المجتمع القبلية لنفسه. حان الوقت لتعداد لا يلحظ انتماءنا الطائفي بل واقعنا المادي فيضيء على مصالحنا الحقيقية المرتبطة بمكان إقامتنا ووضعنا الصحي ومستوانا التعليمي وخبرتنا المهنية وغيرها. كما يسمح بالتعاطي مع ملف اللاجئين السوريين من خلال التعرف على واقعهم، عوض تجاهله والاختباء خلف شعارات إما عنصرية أو زهرية. وهكذا يشكّل التعداد حجر الزاوية لباقي السياسات التي ترسي شرعية الدولة.
سياسات تفض الارتباط بالطائفة، دون أن تلغيها: يُفرَض اليوم الانتماء الطائفي على كل مولود/ة فيصبح المذهب مسألة نَسَب وليس قناعات دينية شخصية، فيُرسي وجود الطائفة كقبيلة نَسَبية أو كمجموع عائلات. ويضع الأساس لقوانين أحوال شخصية وقوانين انتخابية طائفية. والحجة المقدّمة ضد الانتقال لمنطق مدني هو أنه لا يمكن إنكار الواقع الطائفي، وهي حجة فشل اليسار اللبناني عامة في الإجابة عليها. فالحل الانتقالي يمكن أن يسمح باختيار اللبنانيين الراشدين الانتماء إلى طائفة والالتزام بقوانيننها المتعلقة بالأحوال الشخصية، فيصبح الدين مسألة اعتقاد شخصي وليس انتماء قبلي. كما يمكن تبني صيغة "قانون بحجم البلد" التي طرحها "مواطنون ومواطنات في دولة" لمجلس نواب انتقالي يحصر الكوتا الطائفي بالمرشحين الطائفيين، على أن يكون الاقتراع حسب مكان إقامتنا وليس إقامة جدودنا عام 1932.
سياسات تؤمّن الحقوق الأساسية وتحدّ من نزيف الهجرة: لا يمكن إرساء شرعية الدولة ما دام الزعيم هو من أمّن الوظيفة وحمى من "الآخر" بسلاحه وعلّم الأولاد وطبّب الأهل. فالحلّ يبدأ بوضع خطة تحمّل أصحاب المصارف عبء تأسيس اقتصاد منتج يسمح بتمويل الجيش وإقرار التغطية الصحية والتعليم المجاني. كما عمل الزعماء على تهجيرنا بحيث ترتبط مصالحنا بالخارج وتنحصر علاقتنا بلبنان على الأسرة و "بيت الضيعة"، أي النَسَب والهوية. لذا، من شأن سياسات كوضع الضرائب على الشقق الفارغة من حد نزيف الهجرة وتفكيك "تركيبة" الزعماء.
السياسة الخارجية بكل ما لكلمة "خارج" من معنى: يطمس الاعتبار أن المجتمع مكوّن من طوائف الخطوط الفاصلة بين الداخل والخارج. بحيث تصبح الطائفة هي الداخل/الـ"نحن" والطوائف الأخرى هي الخارج/الـ"آخر"، على نمط شبيه بأمراض المناعة الذاتية autoimmune diseases؛ وتصبح الدول الخارجية، من فرنسا لتركيا لإيران للسعودية لغيرها، هي "الداخل"، تارةً تحت شعار "حماية الأقليات" على حد قول سفيرة الأم الحنون في سوريا وطورًا تحت شعار "المحور" الذي اتّضح، والحمد لله، أنه غير موجود.
أما الدولة فمن شأنها إدارة شؤون مجتمعها في تعاطيها مع الدول الأخرى. وهذا يتعارض مع الشعارات كرفض التدخل الخارجي، فالخارج مهمته التدخل، وسوف يتدخل على كيفه ما لم يوجد عندنا دولة تصدّ هذا الكيف. وينسف منطق المحاور، فالدول أدوات مصالحية لا أصدقاء، وتبحث، كما رأينا خلال السنة الماضية، عمّن يحترق من أجلها لا من تحترق من أجله. ويقف بوجه التسليم لمشاريع توظّف الهويات فتمزّق مجتمعنا كمشاريع الدول المذكورة أعلاه. ويقف بشكل خاص بوجه التطبيع مع إسرائيل التي، على حد قول البطرق نصرالله صفير، "لا يمكن أن تقبل ببلد ديمقراطي بالقرب منها بحيث يتعارض هذا الأمر مع إيديلوجيتها". فالمشروع الصهيوني يعمل بشتى الطرق على تفتيت مجتماعتنا على أساس طائفي، تبريرًا لوجود "دولة خاصة باليهود". فإما أن نطبّع، أي أن نعتبر منطقها الهوياتي "طبيعيًا"، أم أن نتبنى منطق المواطنة الديمقراطية والعلمانية.
طبعًا، لن تُفرَض هذه السياسات بسِحر ساحر، بل بعملنا المنظم والدؤوب. وهذا يضع على حاملي شعار "الدولة" ثلاث مسؤوليات: تحديد الوجهة، أي تبني مشروع سياسي يشمل المجالات المذكورة هنا. وتبني خطة عمل لفرض جدول الأعمال هذا وإجبار الرؤساء والنواب والمسؤولين الحزبيين والنقابيين والإعلاميين وكل من هم في مواضع قرار أو تأثير على تحديد موقفهم من المشروع. وتنظيم الجهود، أي تخطي أُطر العمل الفردي والمناطقي والانخراط في قوى حزبية ومجتمعية تتبني هذا المشروع وتشكّل جبهة موحّدة لفرضه. وهكذا نستعيد عملنا الديمقراطي وننتقل من شعار الدولة إلى مشروع إرساء شرعية الدولة.


