الميثاقية: حصن بوجه التطبيع والحرب الأهلية؟
قراءة في رؤية حزب الله لما يسمى بالديمقراطية التوافقية.
مقال على صحيفة الأخبار
استضافت منصّة «طيون» الباحث في العلاقات الدولية الدكتور حسام مطر في حلقة حوارية بعنوان «مشروع نتنياهو يغرق في المضيق»، تطرّق فيها إلى مغامرة فريق في لبنان، بمن فيهم وزير الخارجية يوسف رجّي، للدفع نحو التطبيع ونقل البلد إلى المعسكر الصهيوني. نبّه مطر إلى إمكانية الانزلاق نحو الحرب الأهلية، ووصف هذا السعي بأنه استغلال لاختلال موازين القوى ورمي لنموذج الميثاقية.
بنى الدكتور مطر طرحه لمواجهة هذا السعي على مقاربته للدولة والطوائف. فشرح أن هناك نوعين من الدولة: دولة «تكتمل وتذوب فيها الجماعات المكوّنة» ودولة «تتشاركها هذه المجموعات المكوّنة الشرعية والعنف والسياسة والسيادة». ويرى أنّ الحالة الثانية هي الموجودة في لبنان. وعليه، طرح بقاء الحكومة الحالية إنما بنهج مختلف «يلبّي جزءاً من التوازن» بين هذه المجموعات. أي إنه يطرح المحافظة على الميثاقية ونظام الطوائف لحماية لبنان من التطبيع والحرب الأهلية. فما هو واقع النظام الطائفي في لبنان؟ وهل يشكّل فعلاً حصناً للمجتمع من العدو والتفكّك؟
عن الطوائف والدولة
حين نتكلّم عن «مجموعات»، عمَّ نتكلم بالتحديد؟ إذا كنا نشير إلى مجموعات من المؤمنين، فهي لا تكوّن دولة ولا تذوب فيها ولا تتشاركها السلطة. فالمؤمنون أفرادٌ، يتبنّون معتقدات ويصلّون ويصومون، ولا توحّدهم رؤية سياسية أساساً حتى يتمكّنوا من لعب دور سياسي جماعي. أمّا إذا كنا نشير إلى ما نسمّيه في لبنان «طوائف»، فنتكّلم عن تشكّلات مجتمعية سياسية لا إيمانية، تتجلّى بوجود زعماء لها وأحزاب خاصّة بها ودور سياسي بارز لرجال دينها ونسبة مرتفعة من المؤسسات (كالمدارس والجامعات والمستشفيات والمصارف وغيرها) الخاصّة بها والكلام عن مناطقها ومصالحها، وغير ذلك.
فهل يمكن للطوائف أن تشكّل دولة، أو أن تتشاركها السلطة؟ الدولة (الحقيقية، لا الشكلية) هي الجهاز القادر على اتخاذ القرارات. في لبنان، لا دولة، بل طوائف. فعلى سبيل المثال، التقى الرئيس السوري بوليد جنبلاط أخيراً، رغم أن لا صفة رسمية له. ومَن فاوض على رسم الحدود البحرية مع الكيان هو نبيه بري، رغم أن لا صلاحية له بذلك كرئيس مجلس نواب. أمّا أصغر قرار كزجّ أصحاب المصارف في الحبس فلم نتّخذه، لا لأن قانون «الدولة» لا يجيز ذلك بل لأن زعماء الطوائف لا يجيزون ذلك.
السلطة، أي اتخاذ القرار، لا يمكن أن توجد في مكانين: فإرساء شرعية الدولة يقوّض شرعية الزعيم، والعكس كذلك. بوجود الطوائف لا دولة بل شكل دولة؛ وبوجود الدولة لا طائفة بل مجموعة من المؤمنين. لذا، الطوائف لا تشكّل دولة ولا تتشاركها السلطة، بل تمانع قيامها. هذا التحليل ليس نظرياً بل أساس لاتخاذ قرار سياسي: هل نحمي المجتمع من العدوّ والتفكّك من خلال التمسّك بالميثاقية أم الانتقال إلى الدولة؟
الميثاقية في الميزان
أرسى الاستعمار أنظمة هوياتية في منطقتنا منعاً لقيام دول فيها وتمهيداً لإقامته دولة الاحتلال اليهودية في فلسطين. والنظام الطائفي في لبنان هو النظام الذي هادن الكيان خلال النكبة وخنع لتعدّياته من بعدها وارتضى الاحتلال بين عامي 1978 و2000 وامتنع عن المواجهة حتى اليوم. فقيام المقاومة نفسه هو دليل على عجز النظام عن مواجهة الكيان، فلو كان هذا النظام قادراً على المواجهة لكان المواطنون انخرطوا فيه للدفاع عوض تأسيس «جمّول» ثم «حزب الله». نظام الميثاقية، إذاً، هو المشكلة، لا الحلّ.
لذا تفكّك المقاومات الناجحة الأنظمة الخانعة عند التحرير. فجبهة التحرير في الجزائر فكّكت النظام المرتهن لفرنسا وفرضت سياسات جديدة في إدارة الأراضي والقانون والمنهاج الدراسي والنظام الانتخابي والسياسة الدفاعية. والمقاومة الفييتنامية فكّكت كلياً دولة فييتنام الجنوبية. والمقاومة الفرنسية لم تُسقِط حكومة فيشي فحسب بل أسّست للجمهورية الرابعة وفرضت من خلالها مشروعها السياسي الذي كانت قد أعلنته يوم تأسيسها. بل حتى الميليشيات الصهيونية الإرهابية —بعيداً عن الشبه!— أعلنت مباشرة بعد قيامها بالنكبة تشكيل «دولة إسرائيل» وحلّت نفسها وانضمّت إلى دولة الاحتلال هذه.
قامت كل هذه الحركات، على اختلافاتها العقائدية والسياسية والأخلاقية، باتخاذ خيار الانتقال من «المجموعة» إلى «الدولة» إدراكاً للحاجة العملانية للدولة لإدارة شؤون المجتمع، وهو أمر تعجز الطوائف عن القيام به. فكيف لنظام يعجز عن «تزفيت طريق» أن يحمي المجتمع ويواجه العدوّ؟ إنّ الدولة، كما سبق وعرّفناها، هي الجهاز القادر على فرض الخيارات. أمّا نظام الميثاقية فهو نظام هشّ، يهدر الطاقات في المحافظة على التوازنات خوفاً من الاقتتال، وعاجز بالتالي عن فرض أي قرار. الميثاقية هي نقيض الخيار وبالتالي نقيض الدولة. ولذا لم نتمكّن من بناء الجيش فانسحب أمام العدوّ، ولا من إنتاج السلاح فاستوردنا البيجر، ولا حتى من وضع خطط للإغاثة فنزحت بنات وأبناء مجتمعنا. فحتى متى نرتضي الميثاقية؟
الدولة الحصن بوجه التطبيع والحرب الأهلية
إلى الدكتور مطر، وإلى حزب الله الذي يرى في وثيقته السياسية أنّ الظروف لم تسمح بعد بإقامة دولة قادرة في لبنان وأن «الديمقراطية التوافقية… تشكّل الصيغة الأنسب لحماية التنوع»، أقول: نظام الميثاقية نظام البؤس والرداءة. أمّا المشروع الصهيوني فهو مشروع جذري. والجذرية لا تواجَه بالرداءة، بل بالجذرية. فحان الوقت ــ بل: تأخّر! ــ أن نتبنّى مشروعاً جذرياً، يرفض كاملاً منطق الجماعات والتوازنات والمحاصصة. فالميثاقية التي نستنجد بها لنفرض على «القوات اللبنانية» احترام خيارنا المقاوم هي نفسها التي تستخدمها لتفرض علينا احترام خيارها المطبّع. الميثاقية هي تحديداً ما يمنعنا من المواجهة. فحتى متى نرتضي الرداءة؟
طرح أخيراً النائب السابق نواف الموسوي استفتاءً يعبّر من خلاله الشعب عن رفضه للتطبيع، وهو خروج من منطق الميثاقية. وطرح العام الماضي مجموعة من اللبنانيين، وأنا والدكتور مطر منهم، وثيقة «ثوابت ومرتكزات في استراتيجيّة الأمن الوطني اللبناني»، تشير إلى خطر تموضع المقاومة ضمن المنطق الطائفي وتطرح خيارات دولة. وطرحت حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» عبر السنين مشروعاً متكاملاً لإرساء شرعية هذه الدولة وحدّدت في بيانها الأخير خيارات للتعامل مع الظرف الحالي من هذا المنظار. لِتُشكِّل هذه الطروحات خطوة أولى في مسار يعبر به مجتمعنا من نظام الرداءة والتطبيع والاقتتال إلى الدولة الحصن من التطبيع والحرب الأهلية.


