تحديد خارطة الطريق لإحداث التغيير السياسي
حتى الجهود السياسية الحثيثة والمتواصلة لا يمكن أن تؤثر على المشهد السياسي إذا صبت خارج شبكة الضغط التي تشكل هذا المشهد.
يتكون مشهد البشرية السياسي من فاعلين سياسيين عدة: سياسيين وأصحاب نفوذ وجماعات مسلحة ومحاكم ورأسماليين وإعلام ودول وحركات سياسية ومؤسسات دولية وغيرها. لكل من هذه الجهات الفاعلة هدف مختلف، ولديها وسائل ضغط تحت تصرفها. وهي تتخذ قراراتها بناءً على وسائل الضغط المتاحة لها من جهة، وعلى تصورها لوسائل الضغط المتاحة للجهات الفاعلة الأخرى ذات الصلة من جهة أخرى. ومجموع هذه الديناميكيات هو ما يسمى بميزان القوى. يمكننا أن نتخيل شبكة الضغط هذه لتبدو مثل الرسم البياني أعلاه (على الرغم من أن الواقع بالطبع أكثر تعقيدًا بكثير).
يمكننا تغيير المشهد السياسي من خلال التأثير على الديناميكيات في ميزان القوى هذا. وهذا يعني قبل كل شيء تخيل المشهد السياسي الذي نريد التحرك نحوه؛ أي تبني رؤية سياسية. إن تحويل هذه الرؤية إلى واقع -أي، بعبارة أكثر رومانسية، القيام بثورة- ينطوي على ثلاث خطوات أساسية:
تحليل موازين القوى التي تدعم النظام الحالي
تحديد خارطة الطريق بناءً على الديناميكيات التي قد نكون قادرين على التأثير فيها وكيفية ذلك
التنظيم مع من يشاركوننا الرؤية وخارطة الطريق لتنسيق الجهود ضمن هذا التوجه
يمكن قول الكثير عن هذه الخطوات الثلاث، لكننا سنركز هنا على الخطوتين الأوليين. وفيما يلي ثلاثة أمثلة لجهود محللة جيدًا في سياق تحرير فلسطين:
التحليل: الأسلحة ضرورية لبقاء الكيان. تحديد خارطة الطريق: تستهدف مجموعة "Palestine Action" المؤسسات التي تصنّع الأسلحة للكيان وكذلك المؤسسات الداعمة لهذه المؤسسات. وهكذا تعطل تدفق الأسلحة للكيان. هذا العمل مصيب جدًا.
التحليل: تدعي الصهيونية أنها حق تقرير المصير لليهود لتبرير إقامة دولة يهودية في فلسطين. وهذا الادعاء هو عنصر أساسي في السردية الاستعمارية الصهيونية. تحديد خارطة الطريق: يركز المناهضون للصهيونية من اليهود على الفصل بين اليهودية والصهيونية تحت عنوان "not in my name" (ليس باسمنا). وهكذا يخاصمون الصهيونية على شرعيتها التمثيلية المزعومة. إنه هجوم ثقافي مضاد مطلوب بشدة ويؤثر بشكل مباشر على ميزان القوى.
التحليل: إن الادعاء أن "الفلسطينيون هم معادون للسامية متعطشون للدماء وسيقتلون جميع اليهود إذا سنحت لهم الفرصة" هو ادعاء صهيوني آخر يعمل على تبرير إقامة دولة يهودية مدججة بالسلاح وتمارس العنف المفرط في فلسطين. تحديد خارطة الطريق: تبنت منظمة التحرير الفلسطينية وجميع الفصائل الفلسطينية الرئيسية تاريخيًا رؤيةً لدولة فلسطينية لا تميز على أساس الهوية. وبعد أن ضاعت هذه الرؤية في أوسلو، يعمل عددٌ متزايد من الفلسطينيين، ولا سيما مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة، على إعادة إحيائها. إن هذا الخطاب والبرنامج غير الهوياتي يفضح "تبرير" الصهيونية ويكشف كذبها، وينفي بالتالي المبرر المزعوم لوجود الكيان.
ولكن ليست كل الجهود السياسية تشكل خطرًا على النظام. فحتى الجهود الحثيثة والمستمرة لا يمكن أن تؤثر في المشهد السياسي إذا وقعت خارج شبكة الضغط التي تشكل هذا المشهد. ومن الأمثلة الرئيسية على ذلك وسائل تظهير عدد من المؤيدين لطرح ما، مثل الاحتجاجات أو العرائض أو عواصف تويتر أو كتابة الرسائل إلى السياسيين. هذه تكون فعالة عندما يكون هناك تمثيل ديمقراطي. في "الديمقراطيات" الرأسمالية مثل معظم دول أوروبا وأمريكا الشمالية، هناك تمثيل ديمقراطي شريطة ألا تتأثر مصالح الرأسماليين سلبًا.
على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الاحتجاجات إلى زيادة عدد النساء في أماكن العمل أو تأمين حقوق المواطنين المثليين. ولكنها تعجز عن منع صناعة وتجارة السلاح. والمرشحون المحتملون للمناصب السياسية الرئيسية الذين يتخذون مواقف مبدئية ضد قطاع الأسلحة لن يصبحوا مرشحين رئيسيين. ولهذا السبب تعهد كل من هاريس وترامب بمواصلة إرسال أسلحة المستعمرة على الرغم من رفض معظم الديمقراطيين ومعظم الجمهوريين لذلك. وهذا هو السبب أيضًا في أن واحدة من أنجح عواصف تويتر في التاريخ (ما يقرب من 50 مليون تغريدة!) "كل العيون على رفح" فشلت تمامًا في إنقاذ رفح، فقد كانت الجهود المبذولة خارج شبكة الضغط التي تشكل المشهد.
وعليه، على من يسعون لثورة، أي لتغيير جذري في موازين القوى، ألا يحصروا أنفسهم في رد الفعل على الأحداث التي هي مجرد نتيجة للديناميكيات القائمة. ضعوا رؤية سياسية للمشهد الذي تريدون تشكيله. حللوا الديناميكيات القائمة، وحددوا خارطة الطريق التي تؤثر عليها، وانتظموا لتأطير جهودكم لتجسيد هذا التغيير.


