توحيد سوريا: نعم… ولكن!
تحليل في اعتبار أن للمجتمع السوري مصلحة في بقاء دولته موحدة، بغض النظر عن خلفية نظامه
مقال على صحيفة الأخبار
أعلن النظام السوري الجديد "معركة توحيد سوريا" وتجلى مسعاه في الحسم العسكري بوجه قسد والاتفاق المبرم معها، وقد يتجلى بشكل ما في المستقبل القريب في أجزاء أخرى من سوريا كالسويداء. من بين وجهات النظر حول هذا المسعى موقف يستدعي التوقف عنده، وهو اعتبار أن للمجتمع السوري مصلحة في بقاء دولته موحدة، بغض النظر عن ماضي الشرع وهيئة تحرير الشام ونيّتهما ومشروعهم. لا شك أن وحدة الكيان السياسي السوري مهمة بحد ذاتها، لا سيما في سياق مسعى العدو المعلن إلى تقسيم سوريا على أساس هوياتي. فالكيانات السياسية تترسخ وترسخ التقسيم، وقد رأينا ذلك حين انفصلت سلطة غزة عن سلطة الضفة، بل عندما فتّت الاستعمار منطقتنا إلى كيانات وظيفية ارتضاها المجتمع فأصبحت تحصيل حاصل. لكن لا بد من التدقيق في مسألة "توحيد سوريا" على يد هذه الحكومة.
توحيد سوريا يعني توحيد المجتمع السوري
الكيانات السياسية ليست بشرًا. هي هياكل مصطنعة وُجدت لغاية، ولا شرعية لها إن لم تحقق الغاية من وجودها. والغاية، إن أردنا فعلًا مواجهة مشاريع التفتيت، ليست وحدة "الدولة السورية" فحسب، بل وحدة البشر السوريين — وحدة المجتمع السوري. وهي وحدة مزقتها عقود من اضطهاد الأسدين للسوريين على أساس هوياتي و15 سنة من حرب شنها النظام وقوى الأمر الواقع السورية (لا سيما الإسلامية المتطرفة منها، بما في ذلك التي انبثقت منها هيئة تحرير الشام) والقوى الإقليمية والقوى العظمى والكيان على هذا المجتمع.
لذا، إعادة لُحمة هذا المجتمع لا تقتصر على توحيد الكيان السياسي، وطبعًا لا تكون بالحديد والنار. بل بسياسات مجتمعية مصممة لذلك. وتشمل هذه السياسات توفير الأمن لكل المواطنين والمنهاج الدراسي والاقتصاد المنتج والعدالة الانتقالية وغيرها. فأين مشروع النظام الحالي؟ وبالتالي، أية شرعية للهيكل المدعو "دولة سورية"؟
مشروع لإرساء شرعية الدولة السورية
وعليه، لا بد من إقرار مشروع سياسي لإعادة لُحمة المجتمع المفتت هوياتيًا، وذلك على ثلاثة مستويات على الأقل: أولًا، دراسة تأثير الخيارات المركزية واللامركزية، بصيغها المختلفة، على المجتمع. فعلى سبيل المثال، هل يكون تعداد السكان وحق الاقتراع على أساس مكان الإقامة أم النسب؟ هل تُحدَّد المناطق ذات الصلاحيات الإدارية اللامركزية على أساس هوياتي؟ وما تأثير السماح أو عدم السماح لمناطق غنية بالنفط بالتصرّف بالأموال العائدة منها؟ ثانيًا، طرح سياسات اقتصادية إنتاجية تحرّر المواطنين من الحاجة إلى لزعيم (أو إلى حليفه الرأسمالي!) وبالتالي من الانخراط في شبكاتهم الزبائنية. ثالثًا، احترام الثقافات المتعددة، كحق السوريين الكرد في التعلّم بلغتهم على سبيل المثال، على أن يكون ذلك على أساس كونهم مواطنين لا على أساس "انتمائهم إلى مكوّن ما"، على أن يكرّس الأمر بالدستور لا بمرسوم رئاسي مؤقت، وأن يُرفق بسياسات تعالج تهميش هذه المناطق. وبطبيعة الحال، لا يمكن التكلم عن مواطنة حقيقية دون أن يلعب المجتمع دورًا فاعلًا في تحديد خياراته السياسية المتعلقة بهذه المسائل الثلاث وغيرها. لذا، الدولة الواثقة من شرعية هي دولة ديمقراطية.
كما يحتاج المجتمع السوري اتخاذ موقف واضح من المشاريع الهوياتية الإقليمية المختلفة، وبشكل خاص من المشروع الصهيوني الذي أقام كيانه على زعم "حقوق اليهود القومية" والذي يعتاش من تأجيج التفتت الطائفي حوله. بكلمات أخرى، ثمة حاجة ماسة إلى مشروع يحترم هوية المرء دون معاملته على أساسها، وينظر إلى المجتمع كمجموع من المواطنين لا من الهويات. أما ما رأيناه فهو التحاق تام بمشروع خارجي بحيث لم تلحظ "معركة توحيد سوريا" الاحتلال التركي لشمال البلد. ويجب معالجة هذا الأمر من خلال الشروع في بناء اقتصاد متين يضمن سيادة الدولة أمام تركيا. من ناحية أخرى، طبّع النظام عمليا مع العدو الصهيوني من خلال التوصل إلى تفاهمات اقتصادية ودبلوماسية (لا أمنية فحسب) معه. ورأينا نتيجة ذلك حين تماهى النظام مع ثقافة الكيان الإبادية واستخدم نمط خرائط العدو التي تدعو المدنيين لمغادرة بيوتهم قبل استهدافها في حلب.
كيف يواجه السوريون هذا الواقع؟
طبعًا، من الصعب بلوغ الأهداف المذكورة نظرًا إلى واقع سوريا المنهك. لكن لا بد من تحديد الهدف: توحيد سوريا من خلال إرساء شرعية دولة تعيد لُحمة مجتمعها وعافيته ووحدته. لقد تمتع النظام السوري الجديد منذ اللحظة الأولى بشرعية إسقاط الأسد، ومن اللافت أنه وضع هذه الشرعية في رصيد الشرع شخصيًا تحت شعار "من يحرر يقرر" وليس "من يحررون يقررون"؛ وشرعية الأمر الواقع؛ والشرعية الهوياتية السنية المتمثلة في خطاب "بني أمية"؛ وشرعية الاعتراف الدولي بها؛ وشرعية القوة المسلحة التي باشر النظام في فرضها عنفيًا في السويداء والساحل وحلب والجزيرة. واللافت أنه باشر في تثبيت أشكال مختلفة من الشرعية المتعلقة بالردّ على قلق المجتمع السوري من خلال رفع عقوبات قانون قيصر وتأمين الكهرباء وتسهيل بداية إعادة الإعمار.
واليوم، على القوى المعارضة الحقيقية وضع ثقلها في فتح معارك سياسية في هذه المجالات، دفعًا نحو إرساء شرعية مختلفة، لا شرعية هوياتية ولا عنفية، بل شرعية دولة تدير شؤون مجتمعها. وهذا يتطلب منها أربعة أمور: أولًا، الخروج من منطق إصدار بيانات الإدانة الذي لا يؤثر في موازين القوى بشيء ومن منطق مطالبة النظام الذي يضفي عليه شرعية إضافية. وثانيًا، التحرر من منطق المكونات الهوياتي المتجذر حتى في التنظيمات العلمانية، فالمجتمع مكوّن من مواطنين، لكل منهم واقع طبقي وجغرافي وطائفي وغيره، لا من مجموعات هوياتية. وثالثًا، بلورة مشروع سياسي بديل عن الموجود. ورابعًا، دعوة المواطنين إلى الانتظام السياسي كي يصبح لهم دور سياسي فاعل لا مشاهد. هذه هي معركة توحيد سوريا الحقيقية: معركة إرساء شرعية الدولة السورية التي تحقق الغاية من وجودها من خلال صون وحدة المجتمع السوري.


