الحياة المسيحية: حياة روحية وسياسية في آن واحد
لا شك أن العقيدة المسيحية عقيدة روحيّة، لكنّها أبضًا حياة سياسية بامتياز
مقال على صحيفة تيلوس
يعتبر البعض أن الدين المسيحي دين روحانيّ، متمحور على ملكوت مستقبليّ يصلّي المؤمنين طالبين مجيئه، ومنفصل بالتالي عن الشؤون الأرضيّة، وتحديدا عن كيفية إدارة هذه الشؤون، أي: السياسة. وقد شكّلت مسألة انخراط المسيحيّين بالسياسة محطّ نقاش بين المفكّرين واللاهوتيّين المسيحيّين على مرّ القرون. كما أن بروز شخصيّات وحركات سياسيّة فاشيّة تدّعي المسيحيّة يمكن أن يسبب ردّة فعل إيمانيّة ترفض خلط المسيحية بالسياسة. لا شك أن العقيدة المسيحية عقيدة روحيّة، لكنّي أرى، من فهمي للإنجيل، أن الحياة المسيحية هي حياة سياسية بامتياز، ولكنّها حياة بعيدة، بطبيعة الحال، كلّ البعد عن الفاشيّات المدّعية المسيحيّة. وهذا ما سأبيّنه في ما يلي.
أولًا، الموقف المسيحي بجوهره موقف سياسي. لنأخذ على سبيل المثال وصية «لا تسرق». فما هي السرقة؟ قد نجيب أنّها أخذ ما لا نمتلكه. ولكن ما الذي يحدّد ملكيّة أمر ما؟ هل هو القانون؟ القانون موضوع من نظام سياسي. ومن البديهي أن يعمل أي نظام على تطبيع منطقه، أي على عرضه بوصفه طبيعيًّا، بما في ذلك تشريع هذا المنطق في قوانين. ألّا أن مسألة الملكيّة هي محطّ نقاش بين الرأسمالية والاشتراكية. فلا مفرّ للمؤمنين من تحديد موقفهم الإيمانيّ الشخصيّ من مسألة الملكيّة ليحيوا حياة مسيحيّة حقيقيّة، غير شريكة في السرقة.
على سبيل التوضيح، يعتبر النظام الرأسمالي أن أرباح المؤسسة هي ملك صاحبها، لا يعود جزء منها إلى العمال الذين أنتجوا الربح إلا على أساس اتفاق بينهم وبين رب العمل. ألا ينبغي أن يتساءل المسيحيون كيف ينطبق المبدأ الرأسماليّ «من لا يعمل لا يأكل»؟ كما أنّ الرأسمالية لا تسائل الإقطاعيّين عن مصدر أراضيهم، فكيف ينسجم ذلك مع مبادئ العهد القديم المتعلقة بديمومة ملكية الأراضي، بما في ذلك مبدأ «اليوبيل»، (الذي كانت تُعاد بموجبه الأراضي دوريًّا إلى أصحابها الأصليين إذا اضطروا إلى بيعها بسبب مرّة كل خمسين سنة، بما يحول دون احتكار الثروة وتوارث الفقر عبر الأجيال)؟ وإذا ذهبنا أبعد، فـ«حق» الأولاد بوراثة أرزاق أهلهم هو منطق رأسمالي وليس حقيقة بديهيّة. لذا لا بد للمؤمنين أن يأخذوا نصيحة بولس على محمل الجد: «لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم، لتختبروا ما هي مشيئة الله الصالحة المرضية الكاملة». من شأن تجديد الذهن هذا، تحرير المرء من الهيمنة الثقافيّة المفروضة عليه من النظام القائم. «عدم مشاكلة» الدهر هو عكس الحياد والرضوخ، بل هو جوهر المسعى السياسي الثوري.
إذا طبّقنا موضوع السرقة والملكية على بقتنا الجغرافيّة، لوجدنا أنّه ينطبق بشكل استثنائي على حالة احتلال فلسطين، حيث لا تُسرق بيوت وأراضي فحسب، بل وطن كامل. وهذا يشمل بطبيعة الحال تهجير مئات ألوف المسيحيّين، وسرقة بيوتهم، واستهداف كنائسهم، ومصادرة أراضيها حتّى اليوم. حتى اختيار اسم «فلسطين» أو «إسرائيل» للإشارة إلى الأرض التي وُلد فيها المسيح هو موقف إيمانيّ، إما حقّ أم باطل. لا مجال، عمليًّا، لنأي المسيحي/ة بنفسه/ا عن تحديد موقفه/ا من أمور الحياة، أي موقفه/ا السياسيّ. بل أنّ المجال مفتوح للتمثّل بالمسيح الذي لم يقف على حياد، بل ناصَر المظلوم.
ثانيًا، تدعو تعاليم المسيح المؤمنين للعب دور سياسي فاعل في المجتمع. فالمسيح قال للرسل بصريح العبارة: أنتم نور العالم. أي أنّه اعتبر، من جهة، أن العالم مُظلم، ومن جهة ثانية، أنّ على تلاميذه أن يضيئوا العالم. أي أنّه وضعهم على خصومة مع الظلم المحيط بهم وحمّلهم مسؤولية، وشرف، مقاومة هذا الظلم. بطبيعة الحال، لهذه الكلمات عمق روحي. لكنّ العالم مظلم فعلًا. وهذا يعني أن عليهم تحليل الظلم وتحديد البديل عنه، وهو ما يُدعى حمل «مشروع السياسي»، وعليهم تنظيم جهودهم للدفع نحو هذا البديل، وهو ما يدعى «العمل السياسي».
والملفت هنا أنّ الدين المسيحي يعكس فكر الله في مجالات الحياة المتعددة. أي أنه يبيّن «النور» الذي من مسؤولية المؤمنين تحويله إلى مشروع سياسيّ يضيء العالم. فالعهد القديم يذكّر العبرانيين أنهم كانوا غرباء في مصر عند تعاملهم مع الغريب، نور يجب ترجمته في قوانين الإقامة وسياسات التجنيس. ويتكلم عن عهد الله مع الطبيعة ويشجع حسن معاملة الحيوانات، نور يجب ترجمته في سياسات بيئية. ويدين الظلم وتكبّر الأغنياء على الفقراء ومحبّة المال، نور يجب ترجمته في سياسات ماليّة واقتصاديّة عادلة. طبعًا، لا يعني ذلك أن لا بعد روحي لهذا النور، فهو أولًا نور روحي. لكن ليس صحيحًا أن الدين المسيحي منفصل عن شؤون الأرض، ولا أن المسيحيون غير معنيّين بالتأثير الإيجابيّ في كيفيّة إدارة هذه الشؤون.
كما أن تعاليم المسيح ترفض المنطق الطائفيّ القَبَليّ بصفته منافيًا للإيمان. صحيح أن المسيح خاطب الكنيسة، أي مجموعة المؤمنين، حين قال «لستم من العالم»، ولكنّ المعنى أنّهم ليسوا من شرّ العالم، أو لا ينبغي أن يكونوا إن كانوا بالفعل مؤمنين به. لكنّ الطائفة، وهي تشكل خطر على لُحمة المجتمع، ليست مجموعة المؤمنين وإنّما مجموعة نَسَبية أشبه بالقبيلة. وهذا ما نراه في التجلّيات السياسيّة الفاشيّة. فحين تزعم أحزاب ما تمثيل المسيحيين أو الدفاع عن «مصالحهم»، لا يعرّفون هؤلاء «المسيحيين» على أنهم مجموعة من المؤمنين، ملمّين بالإنجيل أو حاملين لقيَمه. بل يتكلّمون، عمليّا، عن أولاد وأحفاد من جرى تسجيلهم كموارنة وروم وكاثوليك وغيرهم في استفتاء عام 1932 الطائفيّ، وهو استفتاء لم يتضمّن أية آلية لتحديد إيمان المرء الحقيقيّ إذ لم يكترث لذلك. فالطائفة هي، عمليًّا، مجموعة من العائلات لا من المؤمنين، أي أنها تَشَكُّل نَسَبي لا تَشكُّل إيماني. إنّ المسيح فقد حذّر من هذا المنطق، بل هاجمه دون مواربة. فحين قال المسيح أنّ من يحبّ أباه، أو أمه، أو ابنه، أو بنته، أكثر منه لا يستحقّه، وأنّ من يفعلون مشيئة الله هم أخوته وأخواته الحقيقيّين، أوضح بذلك أنّ كون المرء «مسيحيًا» لا يتعلّق بارتباطه بالنَسَب وإنّما بارتباطه بالمسيح نفسه. بذلك أسّس المسيح لقطيعة مع منطق العهد القديم الذي كان يعتبر العبرانيّين قبيلة أو مجموعة قبائل، أي تشكّل مجتمعي هويّاتي مغلق يشبه طوائف بلاد الشام اليوم. وهذا ما ينسجم مع تصريح البابا فرانسيس أنّ «علمانيّة الدولة علمانيّة صحّية» وأنّ «الدولة العلمانيّة أفضل من الدولة الطائفيّة» (١). وهنا تقع أيضًا مسؤوليّة على حاملي تعاليم المسيح أن يحافظوا على هذه القطيعة السياسيّة، ويحافظوا على موقف سياسيّ لا طائفيّ، وهو موقف منسجم مع الإيمان المسيحيّ أيّما انسجام.
طبعًا، لا تختزل هذه الكلمات نضال المؤمنين للعيش حياة مسيحيّة. لكنّها توضح أنّ الحياة المسيحيّة حياة سياسيّة بامتياز، بحيث أنّ الموقف المسيحيّ الإيمانيّ يتطلب حتمًا تحديد خيارات سياسيّة، ويتضمّن احتكاكًا بالعالم لتغييره، ويتمايز عن المنطق الطائفي القَبَلي. وتوضح حاجة المؤمنين ممارسة جهد نقديّ مستمرّ لتحديد الموقف، وكيفية العمل التغييريّ. وهكذا يكون المسيحيّون قد أحبّوا الرب إلههم بكل قلبهم ونفسهم وفكرهم، وأحبّوا قريبهم كنفسهم.


