عملية بيت حانون: إصابة في عمق "شرعية" الكيان المزعومة
ما حصل مثال على كيفية وضع البندقية في سياق برنامج سياسي تحرري أشمل
مقال على موقع ملتقى فلسطين
إن العملية النوعية التي نفذها رجال المقاومة الفلسطينية في بيت حانون ليست عملًا بطوليًا فحسب، بل إصابة في صميم بنية الكيان المحتلّ، دولةً و "مجتمعًا". فعلى أي سلطة على وجه الأرض إرساء شرعيتها في أعين من تدّعي تمثيلهم، أي منحهم أسبابًا كافيةً كي يرتضوا بوجودها كسلطة. وهذا ليس بالأمر الهيّن، إذ إن إدارة أي كيان تعني حسم خيارات وبالتالي فرض قرارات على رافضيها أو المتضررين منها. وهذا ما يشكّل خطر مضاعف على تلاحم كيان استيطاني كالكيان الصهيوني، كيانًا يعمل على اصطناع مجتمع لا كيانًا ناتجًا عن مجتمع. فكيف يظهر هذا التناقض في عملية بيت حانون؟
الحريديم والخدمة العسكرية و "شرعية" الكيان
إن "الحريديم" هم جماعة من اليهود المتشددين. منهم المنادون بتفكيك الكيان وإقامة دولة فلسطينية واحدة من النهر إلى البحر كجماعة "ناطوري كارتا"، وغالبيتهم صهاينة شرسين، لكنهم على اختلاف موقفهم من الاحتلال يرفضون الخدمة العسكرية، باعتبار أن التفرغ لدراسة التوراة لا يقل أهمية عن الخدمة العسكرية. وعليه، كان إعفاؤهم من الخدمة العسكرية جزءًا من "العقد الاجتماعي" بين المستوطنين عقب النكبة والذي كان يهدف لإرساء شرعية الدولة الحديثة أمامهم. ولم تكن المسألة ذات أهمية بالغة آنذاك بحيث لم يكن عددهم يتخطَّ 1% من مجمل المستوطنين.
أما اليوم، فقد تغير الوضع لعدة أسباب. فأولًا، بات يشكل الحريديم حوالي 18% من المستوطنين وحوالي 39% من المستوطنين الشباب. وثانيًا، بات لليمين المتدين، بما في ذلك حزب "شاس" الحريدي، دورًا بارزًا في حكومة الاحتلال. وثالثًا، قُتل مئات من الجنود منذ اندلاع "طوفان الأقصى". مما يعني أن الجنود "العلمانيين" أو غير المتدينين يموتون من أجل حكومة متدينة. وهذا ما يطرح علامات استفهام عند هذه الفئة من المستوطنين حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
معضلة نتنياهو
وهذا ما يضع الكيان بشكل عام وحكومة نتنياهو بشكل خاص أمام معضلة: فالاستمرار بإعفاء الحريديم يساهم في مقتل نسبة أكبر من "العلمانيين" وغير المتدينين مما يساهم في هجرتهم المعاكسة من فلسطين وفي إضعاف حزب الليكود، في حين إن إلغاء الإعفاء يضع هذه الفئة من المستوطنين على صدام مع الدولة الصهيونية ويهدد بخسارة دعم حزب "شاس" للحكومة مما ينذر بسقوطها. حتى أن عددًا من الحاخامات أمروا أتباعهم بعدم الامتثال للخدمة في جيش الاحتلال بل هدّدوا بمغادرة فلسطين. والحجة المقدّمة، وهي "مخالفة تجنيد الحريديم لقوانين التوراة"، تظهر على نحو لافت المخاصمة بين "شرعية الدولة" و "شرعية التوراة".
والملفت أن نتنياهو حسم أمره مؤخرًا إذ أعلن حيش الاحتلال المضي قدمًا بتجنيد أكثر من 50000 حريدي هذا الشهر.
ما علاقة عملية بيت حانون بكل ذلك؟
إن الكتيبة التي استهدفها رجال المقاومة في بيت حانون هي كتيبة "نتساح يهودا"، وهي كتيبة خاضعة رسميًا لهيكلية الجيش لكنها في واقع الحال كتيبة دينية متمايزة عن غيرها. فجنودها ليسوا مجنّدين بل متطوّعين من فئة خاصة من الحريديم تتبع مرجعيات "روحية" معيّنة ولا تأبه لقوانين دولة الاحتلال. شعارها اقتباس من التوراة، ويُمنع دخول النساء من غير زوجات الجنود معسكراتها، وطعام جنودها متوافق مع التوراة ونظام "الهالاخا" اليهودي.
والملفت أن هذه الكتيبة الحريدية كانت قد دخلت غزة منذ بضعة أيام فقط. فباستهدافها هذه الكتيبة بالذات وفي هذا التوقيت الذات، وضعت المقاومة الفلسطينية أصبعها على تناقض أساسي في بنية الكيان وشرعيته المزعومة. فبات يعلم كل من الحريديم الـ50000 المدعويين للخدمة العسكرية أن تجنيدهم لا يعني نهاية تفرغهم للتوراة فحسب، بل وضعهم تحت نيران المقاومة وإمكانية إصابتهم أو مقتلهم على أيديها.
في ما حصل درس للكيان الممعن في توظيف الهويات لحشد طاقات اليهود من جهة ولتفتيت مجتمعاتنا من جهة أخرى: ففي حين تبدو الهويات أداةً سهلةً للتّجييش، لا ينتهي الأمر عند شدّ عصب "القوم اليهودي" لمواجهة الآخر، بل يعود ليفتّت هذا "القوم" نفسه على أساس اختلافاته الهوياتيّة الضّمنيّة. وهكذا يكون التخلي عن المشروع الصهيوني، من خلال الانضمام إلى النضال التحرري الفلسطيني و/أو مغادرة فلسطين، من مصلحة "المستفيدين" منه أنفسهم.
وفي ما حصل دافع أيضًا لنا. فنحن لا نعلم إذا كانت المقاومة قد قصدت استهداف هذه الكتيبة أم لا. لكن ما حصل مثال على كيفية وضع البندقية في سياق برنامج سياسي تحرري أشمل، يلحظ تناقضات الكيان، ويستغلها من خلال المواجهة المسلحة وغير المسلحة، لتفكيكه. لا يجوز أن نستمرّ في التأمل في هذه تناقضات الكيان والانتظار حتى يتفكك من تلقاء نفسه. فالعدو يدرس مجتمعاتنا ويستهدفها عسكريا وثقافيًا وإعلاميًا بشكل مدروس وممنهج. وعلينا أن نقوم بالأمر نفسه، ردفًا لسواعد أبطال غزة.


