"المشروع العلوي": حلول صهيونية للساحل السوري
ما هو هذا المشروع الذي أطلقه مجموعة من العلويين السوريين والذي يتخذ المشروع الصهيوني نموذجًا له؟
مقال على صحيفة الأخبار
أطلقت مجموعة من العلويين السوريين ما سمّوه “المشروع العلوي”، مقدمين إياه على أنه يهدف “لتحویل الانتشار العلوي إلی شبكة فاعلة تخدم المصالح العلویة من خلال الإضاءة ﻋﻠﯽ، والدفع نحو، الممارسات التي تمكّن مجتمعنا من صون هویته المادیة واللامادیة، الاستثمار بالموارد البشریة والجغرافیة، التأثیر بالمحیط الداخلي والخارجي.” ويزعم تقديم “حلول مركّبة” لذلك، بدءًا من الإنتاج العلمي والثقافي، مرورًا بالاتصال الرقمي المتعدد اللغات، وصولًا إلى التمكين والمناصرة”. فمع أن “المشروع العلوي” لا يقدّم نفسه على أنه مشروع سياسي، إن السعي لتحديد مصالح المجموعة (بهذه الحالة: الطائفة) وخدمتها وإحداث تأثير في محيطها هو جوهر العمل السياسي. فما هو واقع هذا المشروع، وهو ليس سوى أحد المشاريع الهوياتية التي تجتاح سوريا والمنطقة؟
إشكاليات ومخاطر منطلقات “المشروع العلوي” الهوياتية
لا تخلو منطلقات “المشروع العلوي” الهوياتية من إشكاليات، بل مخاطر. لنأخذ على سبيل المثال الاعتبار الآنف الذكر أن هناك “مصالح علوية”. في حين أن المصالح الحقيقية للمواطنين غير محصورة بطائفتهم. على سبيل المثال، هناك عمال علويون وأرباب عمل علويون، وأصحاب بيوت علويون ومستأجرون علويون، وساكنو ريف علويون وساكنو مدن علويون. فهل تقتضي “المصالح العلوية” رفع الرواتب أم تخفيضها، رفع إيجارات البيوت أم تخفيضها، دعم الأطراف أم دعم المدن؟ إن ربط “المصالح”، وهي واقع مادي، بالطائفة، وهي متخيل مجتمعي، يخفي واقع الفرد وتناقضات المجتمع الحقيقية، أي الطبقية والمادية والجغرافية وغيرها. وهذا ما يفسح المجال لمشاريع سياسية منفصلة عن مصالح المجتمع الحقيقية من جهة وعصبوية هوياتية من جهة أخرى، فيضعف المجتمع ويفقّره ويفتّته.
أما اعتبار العلويين “مجتمعًا” فيعني أن أهل الساحل ليسوا جزءًا من المجتمع السوري. وهذا ما ينقض أساسات تشكيل المجتمع، وهو مجموعة من الأفراد يقطنون المنطقة نفسها وتكثفت العلاقات بين بعضهم البعض. أي أن الانتماء النسَبي والثقافي والديني أحد خصائص المجتمع لكنها ليست أساس وجوده. بالإضافة إلى ذلك، يطرح هذا الاعتبار إشكاليات مرتبطة بغير العلويين القاطنين في الساحل: فهل هم جزء من مجتمع آخر؟ وكيف يؤثر ذلك على حقوقهم ضمن هذا “المجتمع”؟ فهل من المستغرب أن يؤول “تأمين حقوق العلوين” إلى إقصاء غير العلويين؟ ومن المستفيدون من نشر هذا التصوّر؟
يتكلم “المشروع” عن “الحاجة لتقرير مصير” من خلال إقامة “دولة علوية”. وهي دولة يسميها بعض حاملي المشروع “دولة الساحل” التي يريدون لها أن تتسع لكل أهل الساحل ولكن دون رفع “أي علم سوى العلم العلوي”. يبرّر “المشروع” هذا الموقف “استنادًا إلى تاريخ عميق من التمييز الطائفي والمذابح المتكررة والتهديدات الوجودية الحالية التي تواجه المجتمع العلوي. ويقدم الدولة العلوية كدعوة للحفاظ على وجود العلويين وحقهم في البقاء وتقرير المصير.” وهذا ما يذكرنا بموقف السياسية اليسارية “حنة آرندت” التي اضطرت أن ترحل من أرضها نتيجة اضطهاد ألمانيا النازية لمواطنيها اليهود، فصرّحت أنه “حين تُستهدف كيهودية، فعليها أن تدافع عن نفسها كيهودية”. وهذا ما آل بها إلى تبني الرواية الصهيونية القائلة بالحاجة لدولة يهودية كضامنة وحيدة لحقوق اليهود ودعم وجود دولة الاحتلال في فلسطين.
تطبيع “المشروع العلوي” مع المشروع الصهيوني
لا يتبنى “المشروع العلوي” منطلقات المشروع الصهيوني فحسب، وهو أمر يصح في الغالبية الساحقة من إيديولوجيات وحركات وأنظمة المنطقة، بل يعتمده بصريح العبارة أيضًا. فهو “يعتمد إطارًا مقارنًا مع التجربة التاريخية للشعب اليهودي، الذي عاني بالمثل قرونًا من التمييز والتجريد من الجنسية والاضطهاد الاقتصادي والمذابح في مناطق مختلفة، مما أدى في النهاية إلى إنشاء دولتهم الخاصة… يقدم هذا المنظور المقارن إطارًا قويًا لفهم ضرورة تقرير المصير العلوي ضمن خطاب أوسع حول حقوق الأقليات وإقامة الدولة”. ومع أن هذا النص قد حُذف من موقع “المشروع” بعدما سُئل حاملو المشروع عنه، ألا أنهم لم يتراجعوا عن الفكرة، معتبرين أن “لا عثرة في نشر طرح صهيوني على موقعهم”.
كما يذكر موقع “المشروع” أن “اعتبار إسرائيل ورم خبيث في الشرق الأوسط” نابع من نظرة “محيطها الإسلامي” لها، لا حقيقة مطلقة. ويرى أن “مشروع الكيان في الشرق الأوسط يقوم على تحجيم الإسلام السياسي… لتأمين النطاق الأمني الضروري”. ويطرح إقامة “مدرسة علوية جديدة... لا تخشى نقد إسرائيل، لكنها ترفض تحويل كرهها إلى عقيدة سياسية”. ومع أنه لا ينكر الإبادة في غزة (كثّر الله خيرهم)، يسارع عند تطرقه إليها إلى ذكر إبادة تركيا للأرمن وإبادة الهولوكوست، مضيفًا أنهما “أفظع” من إبادة غزة. لا يخلو خطاب حاملي المشروع من منطق المقارنات هذا، فيعتبرون مثلًا أن “المظلومية السنية سردية مخترعة لا أساس لها من الصحة هدفها الوصول إلى الحكم السني، على عكس مظلومية اليهود والعلويين التي هي حقيقة تاريخية”.
لا يذكر موقع “المشروع العلوي” أسماء حامليه ولا مصدر تمويله. ولا شك أن ليس كل مؤيدي المشروع سيئي النية. ومن الطبيعي والمفهوم أن يدافع من يُستهدفون على أساس هوياتي عن أنفسهم من نفس المنطلق الهوياتي. لكننا رأينا نتيجة “المظلومية السنية”، فهل ننتقل منها إلى “المظلومية العلوية”؟ لا سيّما أن العدو قد أعلن بصريح العبارة نيته تفكيك سوريا إلى أربع كنتونات هوياتية. لا يحتاج المجتمع السوري مشروعًا علويًا ولا سنيًا ولا كرديًا ولا درزيًا، بل مشروعًا تحرريًا ديمقراطيًا، أي مشروعًا لدولة لكل مواطنيها. لقد عانت منطقتنا بما فيه الكفاية من توظيف هوياتها من قِبل الزعماء والرأسماليين المحليين والقوى الإقليمية والاستعمار والكيان. فهل نستقي الدروس ونكسر دوامة الهوياتية؟


